الغزالي
5
الأربعين في اصول الدين
القسم الأول في جمل العلوم وأصولها وهي عشرة الأصل الأوّل في الذات : فنقول : الحمد للّه الذي تعرف إلى عباده بكتابه المنزل ، على لسان نبيه المرسل ، بأنه في ذاته واحد لا شريك له ، فرد لا مثل له ، صمد لا ضد له ، متوحد لا ند له ؛ وأنه قديم لا أوّل له ، أزلي لا بداية له ، مستمر الوجود لا آخر له ، أبديّ لا نهاية له ، قيوم لا انقطاع له ، دائم لا انصرام له ؛ لم يزل ولا يزال موصوفا بنعوت الجلال ، لا يقضى عليه بالانقضاء والانفصال ، وبتصرم الآماد وانقضاء الآجال ؛ بل هو الأوّل والآخر والظاهر والباطن ، وهو بكل شيء عليم . الأصل الثاني في التقديس : وأنه ليس بجسم مصور ، ولا جوهر محدود مقدر ، وأنه لا يماثل الأجسام لا في التقدير ولا في قبول الانقسام ، وأنه ليس بجوهر ولا تحله الجواهر ، ولا بعرض ولا تحله الأعراض ؛ بل لا يماثل موجودا ، ولا يماثله موجود ، وليس كمثله شيء ولا هو مثل شيء ، وأنه لا يحده المقدار ، ولا تحويه الأقطار ، ولا تحيط به الجهات ، ولا تكتنفه السماوات ، وأنه مستو على العرش على الوجه الذي قاله ، وبالمعنى الذي أراده ، استواء منزّها عن المماسّة والاستقرار ، والتمكن والتحول والانتقال ؛ لا يحمله العرش ، بل العرش وحملته محمولون بلطف قدرته ، ومقهورون في قبضته ؛ وهو فوق العرش وفوق كل شيء إلى تخوم الثرى فوقية لا تزيده قربا إلى العرش والسماء ، بل هو رفيع الدرجات على العرش ، كما أنه رفيع الدرجات على الثرى ، وهو مع ذلك قريب من كل موجود ، وهو أقرب إلى العبيد من حبل الوريد ، وهو على كل شيء شهيد ، إذ لا يماثل قربه قرب الأجسام ، كما لا يماثل ذاته ذات الأجسام ؛ وأنه لا يحل في شيء ، ولا يحل فيه شيء ؛